السيد السيستاني.. وريث المنهج الأصيل
    

اليوم حينما يكتب أصحاب التوجهات غير الإسلامية بشكل عام عن دور أو معالم شخصية دينية عملاقة ذات قامة شامخة في العلم أو القيادة أو من جمع بين الإثنين كالمراجع الذين تنتهي إليهم المرجعية العامة (المرجعية العليا) سيكون هناك تغاضٍ عن تأريخ هو في غاية الأهمية، حيث إن من تنتهي إليه المرجعية العامة على وجه الخصوص قد ورث:

١- تجربة حركة النبي (ص وآله) من البعثة إلى الهجرة ثم من الهجرة إلى الوفاة، ثم حركة الأئمة (ع) ملحقة بها الحركات التي أفرزتها بيوت الأئمة (ع)، أي: تجربة ٢٧٠ عاما.

٢- تجربة عصر الغيبة الصغرى ٦٩ عاما حيث تعاملت الشيعة مع نواب الحجة (عج) الخاصين.

٣- تجربة المرجعية لأكثر من عشرة قرون ونصف منذ بدأ الغيبة الكبرى (329هـ) وإلى يومنا هذا.

٤- التراث العلمي الضخم وهو على أنحاء:

أ. التراث الروائي: ويبدأ من الأصول الأربعمائة التي كتبها أصحاب الأئمة (ع) واعتنى بها الأئمة (ع)، وقد وصل معظمها إلى أصحاب الجوامع الأربعة الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار، وغيرها من الأصول التي ظهرت ووجدت في عصور متأخرة عن السابقة وكتب أخرى كتبت بعدها، حتى جمعها الحر العاملي (رح) (1104هـ) في الوسائل وتبعه المجلسي (رح) (1111هـ) في البحار ثم البروجردي (1380هـ) في الجامع، وهو مختص بالأحاديث الفقهية.

ب. التراث الرجالي: وهو المعلومات المتوفرة عن رواة الأحاديث الشريفة، وهو على نحوين؛ مَن صدر فيهم المدح أو القدح عن المعصوم (ع) وهو على تفصيل دقيق، ورجال صدر فيهم المدح أو القدح من العلماء بحسب ما وصلهم عنهم من معلومات وفي أقوالهم تفصيل أيضا ليس محله ههنا، فكوّن هذا التراث بمجموعه علم الرجال وله قواعده ومبانيه، وكل واحد من العلماء قد يكون له فيه منهج معين، ليس الاختلاف فيه ذوقيا أو مزاجيا، بل هو اختلاف علمي.

ج- التراث الأصولي: ويبدو أن الارهاصات التأسيسية لهذا العلم قد ظهرت منذ عصر الشيخ المفيد (رح) (٤١٣هـ) ثم السيد المرتضى (رح) (٤٣٦هـ) حتى اكتمل التأسيس على يد الشيخ الطوسي (رح) (٤٦٠هـ) كعلم مستقل، وقد اشتغل كل العلماء والفقهاء منذ ذلك العصر إلى هذا اليوم بهذا العلم العظيم، عشرة قرون من المدارسة والمناقشة والتأليف في هذا العلم في كل أبوابه وقواعده وأسسه وأدلته، ولعلنا نقارب الصواب بقولنا أنه استقر في المائة عام الأخيرة إذ لم تبقَ لا شاردة ولا واردة إلا وقد اشبعت بحثا ودرسا وتدريسا.

د. التراث التفسيري: وهو تراث ضخم جدا، وهو على نحوين؛ ما ورد عن النبي (ص وآله) والأئمة (ع)، وما كُتب منذ القرن الهجري الأول أو الثاني على يد بعض التابعين ثم ما كتب في القرن الثالث ويمثل قمته الطبري (310هـ) وعلي بن ابراهيم الذي كان حيا حتى (307هـ) والعياشي وغيرهم من الفريقين، مرورا بالقرن الخامس عصر صاحب النقلة النوعية في منهج التأليف في تفسير القرآن الكريم النقلة التي كل من جاء بعده ترسم خطاه فيها، الشيخ الطوسي (رح) في تفسيره التبيان وإلى اليوم.

وإلى جانب هذا التراث الرباعي، هناك تراث الفكر الفلسفي والعرفاني والفلكي واللغوي والأدبي.

نعم غالبية أصحاب التوجهات غير الإسلامية سيتغاضون عن تأريخ مفصل عمره أكثر من أربعة عشرة قرنا، فهل سيتحملون إن قلنا: إنهم يرثون حتى تجارب الأنبياء السابقين بحدود ما وصل إليهم من معلومات عنها؟! نعم فـ(العلماء ورثة الأنبياء).

قد يقول البعض: مهلا! إنها مقدمة فيها شيء من الشدة، إذ أن كل منصف من أصحاب التوجهات غير الإسلامية يعترف بأهمية دور سماحة المرجع الاعلى (ح)، فماذا تريد أكثر؟ ههنا أعنى المحترم كاتب المقال الموسوم: (السيستانيّ العلمانيّ).

أقول: إن الكاتب قد تعرّض في أول مقاله إلى أمر لا أحبذ الخوض به في هذا المقال منعا للإطالة، واُحيل القارئ الكريم إلى ما كتبه السيد الوالد العلامة البدري في العدد الأول – القسم الثاني من نشرة فجر عاشوراء متوفرة على الإنترنت.

وبخصوص حديث كاتب المقال عن سماحة المرجع الأعلى (ح) فقد صفّق للنتيجة التي ظهرت على أرض الواقع إذ لا مجال لإنكارها، ولكنه وقع فيما يقع فيه غيره ممن يريد لنفسه أن يكون مثقفا مستقلا حرا في فكره وأسلوبه نتيجة لمتبنياته، وعدم معرفته بجذور ما يتحدث عنه، أو أنه تغافل عن تلك الجذور الضاربة في الزمن.

حقيقة المقال جميل وظاهره الإنصاف لسماحة المرجع الاعلى (ح) من شاب علماني غير متدين يدعو له بطول العمر ويخشى على العراق بعده، فملء المقال كلمات تدل على إدراك الكاتب أهمية دور السيد السيستاني (ح) في الساحة العراقية منذ سنة 2003م وإلى الآن والذي يجب ألّا يعرض هكذا بمجرد تعداد للحوادث لما في ذلك من اجحاف بحق سماحة السيد (ح)، فالتعداد بهذه الصورة يخالف حتى المنهج الوصفي، إلّا أن بعض الموارد بحاجة إلى تنبيه، وبعجالة أُشير إلى ما يأتي، وما أعرضت عنه فهو لعدم الإطالة، فبعض الأمور بحاجة إلى تفصيل دقيق ليس محله هذا.

 يقول الكاتب المحترم: (تدرّج الموضوع، ودعا السيستاني بالتصويت على الدستور).

أقول مجملا: هنالك معركة عنيفة خاضتها المرجعية العليا بشأن الدستور قبل (تدرّج الموضوع) إلى التصويت، فقد أصرّ السيد السيستاني (ح) على أن يُكتب الدستور بأيدٍ عراقية، لا أن يؤتى بدستور جاهز تمت كتابته في دهاليز دوائر مخابراتية، ومن ناحية أخرى كانت هنالك معركة بشأن المواد والبنود الدستورية، ومع ذلك خرج الدستور ببعض المواد والبنود التي عليها تحفّظ، ثمّ وضع سماحته الشعب أمام المسؤولية التأريخية ودعاه للتصويت بـ(نعم) أو (كلا) بكل شفافية على الدستور، فلماذا اغفال ذلك؟

ثم يتابع قائلا: (وبذلك نرى – نحن المهتمين بالحفاظ على الدولة – أهمية التصويت على هذا القانون الذي يحفظ قيمة الفرد).

وأتساءل أين كان كل من يدعي أن الضمير – نحن – عائد إليه أو يشمله في وقت المعركة بشأن الدستور التي ذكرتها آنفا بنحو الإجمال؟ نعم الجميع يقول بأهمية وجود الدستور للبلاد، لا لمجرد حفظه قيمةَ الفرد، بل إن الدستور يحفظ قيمة المجتمع والفرد معا، كما أنه يعطي القيمة للشخصية المعنوية التي تملكها الدولة، وهو القاعدة التي يجب أن تنبثق منها القوانين التي من شأنها تنظيم حياة الفرد والجماعة، وقد غفل الكاتب عن أن هذه القضية بالنسبة إلى المتشرعة مفروغ منها استنادا إلى أدلة كثيرة اكتفي بقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم).

وقد سبق المسلمون غيرهم فإن الحاكم في الإسلام يبايَع على أساس الكتاب والسنة، كما في قصة الشورى السداسية حيث أن أمير المؤمنين علي (ع) قد رفض البيعة على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، قائلا: (إن كتاب الله وسنة رسوله لا يحتاجان إلى إجّيرَي أحد)، ولما بايعه الناس بعد اغتيال الخليفة الثالث، بويع علنا وعلى كتاب الله وسنة رسوله (ص وآله)، وهو ما فعله ابنه الإمام الحسن (ع) أيضا، فإنه تنازل عن حكم العراق وما والاه تنازلا مشروطا، وكان من شروطه أن يحكم معاوية بكتاب الله وسنة رسوله (ص وآله)، فالشاهد في الأمرين أن الحاكم في الاسلام يبايَع على هذا الأساس، وهو دستور الدولة ويضمن الحرية التعبدية والفكرية والتعددية وحرية التعبير عن الرأي وحقوق الإنسان والحيوان وحقوق المرأة والطفل ونحوها من الحقوق، كما أنه يفصل بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية، كل بحسب اختصاصه.

ويقول أيضا: (وكان باستطاعته أن يقول “كفى بالقرآن قانوناً”، كأيّ مرجعٍ دينيّ آخر!).

أقول: والحق أن في كلامه تجنٍ على المراجع العظام إذ لا يمكن لمرجع شيعيّ أن يقول (حسبنا كتاب الله) إلا أن يبرَّر له: إن القائل قد ذكر الجزء (القرآن) وأراد به الكل (مصادر التشريع الاسلامي)، وليس التبرير في محله اطلاقا.

ثم هل غفل أم تغافل الكاتب عن الثورة الدستورية (المشروطة) في إيران في مطلع القرن العشرين؟ حيث كان رائدها الشيخ محمد حسين النائيني (رح) من خلال أطروحته في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) ثم أطروحة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رح) وها نحن نعيش عهد السيد السيستاني (ح) حيث يقول عنه الكاتب: (هذا الرجل هو مرجعٌ علمانيّ بامتياز، ومدنيّ، يؤمن بفصل السلطات، والديمقراطية، والحريات العامة).

أما أن الرجل بمجرد إيمانه وفقا لبحثه وما صححه من الحديث الشريف ومبانيه الأصولية والفقهية بفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بعضها عن بعض، والديمقراطية والحريات العامة بما لا يخالفان أحكام الشريعة الإسلامية يكون علمانيا بامتياز ومدنيا، فهذه مقولة كمقولة المقبور صدام: (العراقي بعثي وإن لم ينتمِ للحزب)، لماذا يجعلون هذه المسائل حكرا لهم؟ وقد سبقهم في ذلك الإسلام وخير نموذج دولة النبي (ص وآله) في المدينة وما والاها، ودولة الإمام علي (ع) في الكوفة وما والاها، ثم الدولة التي أسسها الإمام الحسن (ع) بتنازله المشروط عن ملك العراق وما والاه لمعاوية، وحسبه أن يقرأ عهد أمير المؤمنين (ع) للأشتر (رض)، ورسالة الحقوق للإمام زين العابدين (ع)، فهل سيكتب مقالا ليصفهم فيه بالعلمانية والمدنية؟! أم سيصفهم بأصحاب الدولة الدينية (فرض الرأي) كما كان الحال في الممالك والدول الأوروبية إلى ما قبل القرن الثامن عشر الميلادي!

وليؤخذ بنظر الاعتبار أن سماحة المرجع الأعلى (ح) يحرص على حفظ الهوية الإسلامية للمجتمع العراقي ويحث على تحصينه بالثقافة الإسلامية ويركز على شريحة الشباب من الجنسين مع تثقيفهم بمبدأ التعايش السلمي مع سائر الأديان والمذاهب، وأحسبه انطلاقا من قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، فهل هذا منهج علمانيّ مع درجة الامتياز؟

ولابد من التنبيه على اجتماع كلمة فقهاء الشيعة من القدامى والمتأخرين والمعاصرين ومنهم سماحة المرجع الأعلى (ح) على ان لا بديل للإسلام في قيادة الحياة، وإن الدين عندهم ليس بالقضية الشخصية، والدليل عليه وجود أحكام الجهاد والقضاء والمعاملات والعلاقات بين عموم الناس.. مع إيمانهم – أي: فقهاء الشيعة – بضرورة الحفاظ على حقوق المؤمنين حتى لو تطلب الأمر بقبول نظام حكم علماني بالعنوان الثانوي.

ثم يستطرد قائلا: (ويرى أن رجل الدين وظيفته النصح والإرشاد، وليس التوجيه والتدخّل المباشر).

إن صلاحيات رجل الدين لا يتم تحديدها من قبل هذا التيار أو ذاك الحزب بل إن الدليل الشرعي هو الراسم لحدودها لأنها قائمة عليه، وهذا ما عليه القدماء والمتأخرون من العلماء والفقهاء.

ما نقله الكاتب – في نفسه – لا خلاف عليه بين الفقهاء فإنهم يجمعون على أن أصل مهمة طلبة العلوم الدينية تعليم الناس وبيان الحلال والحرام لهم وارشادهم ونصحهم وتوجيههم بما فيه صلاحهم لأن (الدين النصيحة)، على مستوى المجتمع والدولة، أأكد للقارئ الكريم أن هذا مما لا خلاف عليه في أصل مهمة طلبة العلوم الدينية، لكن ماذا لو كانت يد الحاكم الشرعي مبسوطة؟ وهذا السؤال يترك جوابه إلى وقته المناسب، فلكل حادث حديث.

وفي قبال ذلك اتجاه آخر يرى عدم وجود مانع أو حرج على رجل الدين في التصدي للأمر والنهوض بالدولة والعمل على بسط يد الحاكم الشرعي متى ما توفرت الفرصة المناسبة، كما هو الحال في زمن المختار الثقفي (رح) والدولة الفاطمية.

فالناس أحرار، ولهم الخيار مبدئيا في تحديد مصيرهم بالسير وراء رجل الدين أو جان جاك روسو أو غيره، كل ذلك بحسب القناعات المبنية على أسس فكرية وإن كانت أولية.

ختاما أقول مقالة السيد الوالد: (إن المرجعية العليا هي الامتداد الطبيعي لحركة الأئمة عليهم السلام) فـ”السيستاني” حجّة المهدي (عج) القائل: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)، فلا تؤمنوا ببعض الرجل وتكفرون ببعض!!

السيد جعفر البدري

محرر الموقع : 2017 - 03 - 20
التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع
نهيب بقراء صفحتنا الالتزام بادب الحوار والرد والابتعاد عن استخدام الالفاظ والكلمات التي من شأنها الاساءة الى الاخرين وبخلافه سيتم حذف العبارة.