كتاب الحج للشيخ السبحاني والقرآن الكريم (ح 2)‎
    
د. فاضل حسن شريف
 
جاء في کتاب الحج في الشريعة الإسلامية الغراء للشيخ جعفر السبحاني: عن حج الولد: عدم اعتبار إذنهما إلّا إذا كان سببا لإيذائهما كما إذا كان السفر مشتملا على الخطر. و يؤيّد ذلك دلالة الآية الشريفة على حرمة التأفيف و النهر و الزجر "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)" (الاسراء 23-24)، على حرمة الضرب بوجه أولى، فيكون الجامع بينها هو حرمة إيذائهما، فإذا كان حجّ الولد سببا للإيذاء يكون مبغوضا و لا يصلح للتقرّب. و مع ذلك كلّه يمكن أن يقال: انّ القدر المتيقّن هو حرمة إيذائهما في الأمور التي يرجع إليهما في مجال المعاشرة و المصاحبة، و أمّا ما لا يرجع إليهما من الأمور التي تسبب إيذائهما فلا دليل على وجوب الطاعة أو حرمة المخالفة، فالأولاد أحرار في انتخاب المهنة و الزوجة و السير و السفر و إن صار سببا لإيذائهما، وعلى ضوء ذلك يصحّ حجّه مطلقا، سواء أ كان سببا للإيذاء أو لا. انّ عمد الصبي إنّما يحسب خطأ، فيما لو كان للفعل في الحالتين حكمان مختلفان، كما في القتل مثلا فالعمد، محكوم بالقصاص قال سبحانه: "وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ انَ مَنْصُورا" (الاسراء 33) و في آية أخرى: "وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا" (النساء 93). لكن الخطأ منه محكوم بالدية، قال سبحانه: "وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كٰانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثٰاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ" (النساء 92)، ففي هذا المورد يحسب عمد الصبي خطأ فيحكم بالدية و تحمله العاقلة. و أمّا إذا كان العمد محكوما بحكم دون أن يكون الخطأ محكوما بحكم أصلا كما في المقام، فان التطيب و الاستظلال محكومان بالكفّارة في حالة العمد، دون أن يكونا محكومين بحكم آخر في حالة الخطأ، ففي مثله ليس للخطأ حكم حتّى يقال انّ عمد الصبي يلحق بخطائه. و مع ذلك فالوجه الأخير هو المتعيّن لوجهين: 1. حديث رفع القلم عن الصبي، فإنّ قلم التكليف مرفوع عنه، و لازم ذلك عدم وجوب الكفّارة لا عليه و لا على وليّه، لأنّ الكفّارة لأجل مخالفة التكليف و المفروض عدمه و وجوبها في الصيد على الولي خرج بالدليل، و ذلك لأنّ أمر الصيد عظيم، قال سبحانه: "وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقٰامٍ" (المائدة 95). 2. انصراف الأدلّة عن الصبي، لا لأجل انّ الكفّارة في الحقيقة تأديب و عقوبة، و الصبي لا عقوبة على مخالفته حتّى يقال بأنّ قسما منها ليس كذلك كما في التستر أو التظلل الاضطراريين، بل لأنّ الخطاب متوجّه في الأحكام الشرعية و العقلية إلى العقلاء البالغين و لا يخرج عن هذه الضابطة إلّا بدليل.
 
وعن شرط الاستطاعة في الحج يقول السبحاني في كتابه: قال العلامة في (المنتهى): و الاستطاعة شرط في وجوب حجّة الإسلام بالنص و الإجماع، قال اللّه تعالى: "مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (ال عمران 97) قال: "لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا" (البقرة 286) و الأخبار متواترة على اشتراط الاستطاعة، و قد أجمع فقهاء الإسلام عليه أيضا، و لأنّ تكليف غير المستطيع قبيح جدا. صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه عليه السلام و أنا عنده عن قول اللّه عزّ و جل: "وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (ال عمران 97) ما يعني بذلك؟ قال: (من كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد و راحلة، فهو ممّن يستطيع الحجّ، أو قال: فمن كان له مال، فقال له حفص الكناسي: (فإذا كان صحيحا في بدنه، مخلّى في سربه، له زاد و راحلة، فلم يحجّ فهو ممّن يستطيع الحجّ؟ قال: (نعم). معتبرة محمد بن أبي عبد اللّه بسند ينتهي إلى السكوني، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سأل رجل من أهل القدر فقال: يا بن رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّ و جل: "وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (ال عمران 97) أ ليس قد جعل اللّه لهم الاستطاعة؟ فقال: (ويحك إنّما يعني بالاستطاعة الزاد و الراحلة ليس استطاعة البدن). صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله عزّ و جلّ: "وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (ال عمران 97) ما يعني بذلك؟ قال: (من كان صحيحا في بدنه، مخلّى سربه، له زاد وراحلة).
 
وعن الزاد يقول الشيخ جعفر السبحاني: قوله سبحانه: "وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (الحج 78) غير قابل للتخصيص، بأن يقال: إلّا في المورد الفلاني. انّ المتبادر من الاستطاعة في قوله سبحانه: "مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (ال عمران 97) هو الاستطاعة الفعلية، لا الاستطاعة بالقوة، فمثله غير مستطيع بالفعل و إنّما له استعداد لتحصيل الاستطاعة. قال العلّامة: لو لم يجد الزاد و وجد الراحلة و كان كسوبا يكتسب ما يكفيه‌ و قد عزل نفقة أهله مدة ذهابه و عوده، فإن كان السفر طويلا، لم يلزمه الحجّ، لما في الجمع بين السفر و الكسب من المشقة العظيمة، و لأنّه قد ينقطع عن الكسب لعارض فيؤدّي إلى هلاك نفسه.
 
جاء في کتاب الحج في الشريعة الإسلامية الغراء للشيخ جعفر السبحاني: أنّ النكاح شرّع لأجل صيانة النفس من الوقوع في الحرام حيث قال سبحانه: "وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا" (الروم 21) فهاهنا حاجتان: إحداهما شرعية و هو صرف المال في الحجّ، و الأخرى طبيعية و هو صرف المال في النكاح، فصحّ لقائل أن يقول: إنّ صرف المال في النكاح متعيّن، لأنّه يجب الحجّ بعد تأمين حاجاته الأوّلية في الحضر. و أمّا السرقة فليست من لوازم صرف المال في الحجّ، و تركها من لوازم عدم الصرف، و إنّما هي حالة شخصية طارئة، فلا معنى لترك الحجّ بذريعة انّه يصد الشخص عن السرقة. خبر أبي الربيع الشامي حيث قال: سئل أبو عبد اللّه عن قول اللّه عزّ و جلّ: "وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (ال عمران 97) فقال: (ما يقول الناس؟)، قال: فقلت له: الزاد و الراحلة، قال: فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: (قد سئل أبو جعفر عليه السلام عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان له زاد و راحلة قدر ما يقوت عياله و يستغني به عن الناس، يجب عليه أن يحجّ بذلك ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا الخ).
محرر الموقع : 2024 - 06 - 10