المرجع السيستاني .. مرحلتان وموقف
    

كتب الأستاذ حسن الجراح ، موضوعا ، قال فيه ، لا أودّ الدخول في هذا الموضوع بالحديث عن الجانب النمطي الببليوغرافي لحياة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، وأذكر أين ولد ومتى درس وماذا قرأ الى غير ذلك من الأمور التي أشبعت فيها الصحافة شرقيها وغربيها بطون المطبوعات والانترنت عن سيرة هذا الرجل، لكن أود الولوج في خضم أحداث عاشها العراق قبل وبعد سقوط صنم العراق الأوحد، وما مدى الدور الذي لعبه آية الله السيستاني فيه.

 

لقد أعقب وفاة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي المرجع الأعلى للطائفة الشيعية في العالم آنذاك فترة حرجة على حوزة النجف وعلى القرار الشيعي في العراق وخصوصاً كانت هناك هيمنة من قبل زعامات الحوزة على مراكز القرار السياسي وظهر ذلك على مدى تاريخ الشيعة وعلمائهم الذين كان من الصعب على السلاطين والحكام تخطي ما يفكر فيه علماء هذه الطائفة، ويدركون مدى خطر كلمتهم وبدا ذلك جلياً في تاريخ العراق المعاصر وحتى تاريخ إيران حينما أصدر آية الله الشيرازي فتوى تحريم التنباك الشهيرة الذي قضى بموجبها على الامتيازات البريطانية للتنباك في ايران، وفي العراق فتوى آية الله محسن الحكيم القاضية بتكفير الشيوعية واعتبارها كفر وإلحاد والتي قوّضت من انتشار أيدولوجية الشيوعية في العراق، ومن قبلها فتاوى الجهاد ضد الإنجليز وغير ذلك من الأحداث التاريخية التي تذكرها المدونات التاريخية.

 

وبعد هذه المقدمة يشار الى أنه في الفترة الحرجة من الحكم المطلق في العراق صار عمل علماء الشيعة في النجف ينحسر في الدرس والتدريس فقط لما مورس ضدهم من التنكيل والمراقبة الحثيثة حتى لأنفاسهم وتحركاتهم على يد النظام القمعي الأوحد في العراق، وفي صلب موضوعنا وهو آية الله السيستاني كانت مرجعية السيد من المرجعيات التي لعبت دوراً خطيراً وعاشت فترة عصيبة مهددة فيها بالزوال بسبب طيش الجور آنذاك.

 

وبعد إحساس النظام بالكابوس الجاثم على أنفاسه والذي لا يستطيع أن يتصرف معه بصورة قد تبدو خرقاء أراد تصفية كل مراجعيات النجف مرة بالإقامة الجبرية وأخرى الاغتيال وأخرى بالتهديد.

 

وكان هناك نصيب لآية الله السيستاني من هذا الجور فقد فرض عليه حكم الإقامة الجبرية وتعرض الى حادث اغتيال لكن العملية فشلت، فقبل حوالي سبع سنين دخلت مجموعة تابعة للمخابرات العراقية وادّعت أنها تريد تسليم الحقوق الى مكتب السيد السيستاني وأنهم على عجلة من أمرهم لأنهم من سكان البصرة فدخلوا بتلك الخدعة الى المكتب، وقد باشروا بإطلاق النار وقتلوا أحد المعينين في المكتب وجرحوا آخر وهمّوا بقتل السيد محمد رضا نجل آية الله السيستاني الذي نجا بأعجوبة حيث انفجر المسدس بيد الشخص الذي أراد قتله، ومخافة انكشاف أمرهم سارعوا الى الاختفاء.

 

وحينما سمعت الحكومة الإيرانية بذلك الحادث جاء وفد دبلوماسي عالي المستوى الى النجف وبرفقة المخابرات العراقية ووصلوا الى مكتب السيستاني.

 

وأهم ما طرحته الحكومة الإيرانية _ على اعتبار أن آية الله السيستاني من رعاياها في العراق _ هو توفير طريق آمن الى السيستاني وعائلته ومن يحب الى الانتقال معه الى ايران.

 

وكانت المخابرات العراقية تسمع وترى ما يدور بين الطرفين وبدت في حينها كأنها لا علاقة لها بما حدث للسيستاني وهو صاحب الخيار فيما اذا أراد الرحيل من العراق أم لا، وبذلك يريد النظام أن يكسب سمعة إعلامية جيدة أمام العالم في خصوص هذا الموضوع، لكن المفاجأة من السيستاني قد أذهلت جميع الأطراف حيث قال لهم السيستاني بأنه قدم الى العراق قبل خمسين سنة للدراسة ومجاورة ضريح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ويريد أن يبقى فترة حياته المتبقية بالقرب من هذا الضريح، وأضاف لهم، حينما عرضت له الحكومة الايرانية فرصة نقل عائلته ومن يحب الى إيران، أنه لا يوجد فرق عنده بين ولديه محمد رضا ومحمد باقر وبين جميع العراقيين لأنهم كلهم كعائلته.

 

بهذا العمل أصبح السيد السيستاني كالغصة في حلق حكومة النظام، وللظهور مجدداً بأنها توفر حماية له فقد لجأت حكومة صدام الى وضع مجموعة من ضباط الأمن مهمتهم مراقبة كل تحركات مكتب السيستاني ومن يفد إليه، حتى ذكرت مصادر مطلعة على الفترة التي وضعت شبكة أمنية لمراقبة المكتب بأنّ ضابطاً يكنّى بأبي منذر أراد ذات مرة تنفيذ عملية جداً قذرة الهدف منها تشويه صورة عائلة السيد أمام العامة لكنه لم يفلح في مسعاه.

 

بقي دور السيستاني في تلك الفترة هي مراعاة شؤون الحوزة بصعوبة بالغة وشديدة وقد تعرّض الى ضغوط حتى من أوساط النجف نفسها الا أنه لم يهن أمام ذلك، كما وأنه من المعروف أنّ آية الله السيستاني بشهادة جميع من عاصره كان يمثّل امتداد لأئمة الشيعة من ورع وزهد وصلاح ويطبق ذلك بصورة عملية وأبرز تلك الأمثلة على ذلك أنه من المشهور أنّ البيت الذي يسكن فيه يعود الى عائلة نجفية تدعى بآل شبر ولم يتملك شيء من عقار أو غير ذلك وكان سقف هذا البيت من جذوع الأشجار، وذكر أحد طلبة العلوم الدينية حادثة تؤيد ذلك حيث أنه ذات مرة عرض على السيد السيستاني أن يستبدل المبردة التي كانت موضوعة على غرفته الخاصة بأخرى جديدة لأنها كانت تصدر صخباً.

 

فقال السيد لمن أراد استبدالها بأنّ المبردة اذا كانت قابلة للتصليح فينبغي تصليحها وأما الجديدة فيجب أن تُعطى لعائلة فقيرة محرومة من المبردة، وهناك حادثة أخرى تعضد تلك الخصائص التي كان يتحلى بها آية الله السيستاني حيث تم إعادة إعمار مرقد العالم "ابن نما الحلي" في الحلة وهو من العلماء البارزين للشيعة فاقترح الشخص المشرف على الإعمار _ والذي كان يستلم مبالغ الإعمار من مكتب السيستاني كحقوق شرعية _ بكتابة اسم السيد السيستاني على المسجد بأنه قد تمّ إعادة بناء المرقد برعاية آية الله السيستاني، إلا أنّ الأمر حينما تناهى إلى أسماع آية الله السيستاني رفض هذه الفكرة منزعجاً. وذات مرة جاءه شخص يتشكر منه لأنه ساهم في قضاء حاجته لكن قال له المرجع:

"إنما أنا واسطة في إيصال الحقوق".

 

السيستاني ودوره بعد سقوط النظام:

واجهت العراقيين بعد السقوط مشاكل جمة وكان لآية الله السيستاني دور كبير في الحفاظ على أمن واستقرار البلاد، ومن أبرز ما أفتى به هو حرمة التعدي على الأموال العامة بعدما فتح الأميركان الباب على مصراعيه لنهب وسلب وتحطيم البنى التحتية للعراق على يد شرذمة من العراقيين الذين فعلوا ذلك بقصد التشفي من حكومة صدام التي أذاقتهم الهوان. وأعقب ذلك فورة غضب من جميع العراقيين على أتباع صدام وضباط الأمن والمخابرات الذين أمعنوا في إذلال العراقيين، فأراد العراقيون الانتقام من جميع أتباع حكومة النظام الا أنّ آية الله السيستاني أدرك خطورة هذا الموقف لأول وهلة لأنه بالتالي يجرّ الى مذابح جماعية وحرب أهلية لها أول وليس لها آخر بين صفوف العراقيين، فأصدر فتوى تقضي بحرمة الاقتصاص من البعثيين وأتباع النظام ويترك هذا الأمر حتى تشكيل محاكم شرعية تبت في مثل هذه الأمور للتحقيق بشأن كلّ من ثبتت عليه جريمة التورّط بدماء العراقيين.

 

وأعقب ذلك أعظم فتوى على الإطلاق من وجهة النظر السياسية والتي سميت بفتوى الدستور تمييزاً لها عن غيرها والتي رفضت أن يكتب دستور البلاد من قبل المحتل أو من يعينه لأجل ذلك لأنه ليس له صلاحية ذلك بل هذا موكول الى انتخابات جمعية تتولى هذا الشأن.

 

ومن أبرز ما حدث من انجازات لآية الله السيستاني بعد هذه الفترة أنه فضّ النزاع القائم بين المليشيا في النجف والقوات الأميركية فقد وضع عدة شروطتم الالتزام بها من جميع الأطراف وحفظ فيها السيستاني كرامة المدينة وضريحها المقدس وحقن فيها الكثير من دماء العراقيين من المليشيا والمدنيين. وبعدها صدرت فتوى الانتخابات الداعية للعراقيين الى مراجعة سجلات الناخبين للتأكيد من ورود أسمائهم في تلك السجلات حتى يتسنى لهم الإدلاء بأصواتهم في انتخابات جمعية وطنية تشرف على كتابة الدستور الذائم للبلاد، وفعلاً تحققت الانتخابات وستتولى تلك الجمعية مسألة كتابة الدستور.

 

كل هذه الوقائع من السيد السيستاني تدعونا الى التأمل بعدة أمور: منها إن السيستاني عمل ذلك من منطلق إنساني بحت فضلاً عن أنه واجب شرعي يتحتم عليه البت به وفق توليه لمسؤولية المرجعية، وثانياً إن هذا التكليف الذي قام به السيستاني ينبئ عن تطبيق فعلي لديمقراطية تطبيقية في الإسلام ليس لها نظير في كل العالم وهي إن اختيار مرجع التقليد عند الشيعة لا يتقيد باللون أو العرق أو القومية بل وفق أطر خاصة تبتني على أصول ديمقراطية شفافة وهي عدالة المرجع وأعلميته وغير ذلك من أمور تتولى الكتب الفقهية التعرض لها، أما البلد والقومية فكلها تذوب عند اختيار المرجع ونتيجة ذلك الاختيار تكون مسؤولية المرجع أن يتولى شؤون أتباعه سواء كانوا في العراق أم في غيره.

 

وبتعبير آخر إنّ آية الله السيستاني رجل إيراني ويحمل جواز سفر ايراني وحتى حينما ذهب الى لندن لإجراء العملية الجراحية كان يتنقل بهذا الجواز بل حتى حينما عرضت عليه الحكومة العراقية المؤقتة بمنحه الجنسية العراقية رفض ذلك لأنها مسألة ليست مهمة في نظره بقدر ما يهمه أمر العراقيين، لكنه انبرى لوضع حلول مشاكل العراقيين العصيبة لا من منطلق قومي أو مذهبي أو طائفي بل من منطلق الحس بالمسؤولية الإنسانية والإسلامية التي يضطلع بأعبائها، وهذه من روائع الديمقراطية عند الشيعة.

محرر الموقع : 2013 - 10 - 07
التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع
نهيب بقراء صفحتنا الالتزام بادب الحوار والرد والابتعاد عن استخدام الالفاظ والكلمات التي من شأنها الاساءة الى الاخرين وبخلافه سيتم حذف العبارة.
1 - الله يحفظ السيد
ابو مصطفى
في أحدى زياراتي الى النجف انتظرت ساعات لكي اسلم على السيد الله يحفظه و عندما سلمت عليه رأيت النور في وجهه الكريم وكم بسيط هذا الرجل و ادعوا من الله العلي القدير ان يمد عمره ويجعله ذخرا لنا وللاسلام
2 -
حسين
ان السيد اطال الله عمره امتداد لاجداده الاطهار والذي اعتقده ان السيداليستاني واقعه اكبر واعظم من الذي نعرفه عنه متع الله المسلمين بطول بقائه
الاســم :
البريد الاليكتروني * :
عنوان التعليق :
التعليق * :